الثلاثاء , مارس 28 2017
الرئيسية / منشورات / عمدة الإذاعة / بيان عمدة الإذاعة – آذار2016

بيان عمدة الإذاعة – آذار2016

بالمبادئ القومية الاجتماعية نحتفل.

 

«لو لم أكن أنا نفسي، لوددت أن أكون هذه التيّارات الروحية الدافعة نحaltو الرحابة والسموّ.
لو لم أكن أنا نفسي، لوددت أن أكون هذه الآمال الكبيرة، العالقة بها أنفس ملايين البشر.»
سعاده. مجلّة «الجمهور»، 22 تشرين الأوّل 1936.

 

 

منذ أن بزغ فجر الحروف المسمارية الأولى، مع ما سبقها وتلاها من ظهور للعوامل البشرية الفعّالة، ونحن الأمّة التي لم تزل تشكّل في هذا الوجود قلبه النابض حضاريًا وينبوعه الفكريّ الإنسانيّ الحيويّ الذي لم ينضب يومًا رغم هول الصعاب والمحن.
في الزراعة والتعدين، في الرقم والحرف، في الشرائع والتنظيم، في الفنون والعلوم وإلى ما يصعب حصره أو تعداده، بعض ما قد قدّمته هذه الأمّة للعالم عربونًا لوجودها الإنساني فيه، وقبل أن نصل أخيرًا إلى التأسيس الجديد المتمثل بالنظرة السورية القومية الاجتماعية إلى الحياة والكون والفن، الذي انبثق من تحت ركام هائل من فوضى الحروب والنزاعات والأفكار والثقافات اللاهثة وراء السيطرة على موارد الأرض، هذا التأسيس الذي لم يزل يغفل العالم حقيقته وخطورته الحضارية الخلّاقة.
من ناحية أخرى، وعدا أثرها الوجودي الذي جعل لسورية هذا الفيض التعميريّ العظيم على العالم، فقد شكّل موقعها الجغرافي وغناها الطبيعي “النعمة-النقمة”، المفصل الحسّاس الدقيق على خارطة العالمين “القديم والجديد” على حدٍّ سواء.. فمنذ بداية التاريخ البشري المعقّد بتنازع عوامله الوجودية عُرف الوطن السوري بموقعه الإستراتيجيّ الهام جدًّا على خارطة العالم، وشكّل هدفًا للفتوحات وممرًّا جاذبًا ومركزًا حيويًّا للتطوير والنشر، خصوصًا في مجالات الفكر والسياسة والحقوق والدين، الخ…

وقد أثّر مركز سورية على العديد من القضايا الفعّالة على مسرح العالم كما أثّر أيضًا عنصرها البشريّ الفاعل فيه، إذ قامت سورية بفتوحات واسعة عديدة في تاريخها، ولكنها، بالمقابل، كانت ولا تزال، هدفًا لغزوات حربية خارجية متتالية رزحت طويلًا تحت آثارها المدمّرة، فقُطعت سبل النموّ الزمني الضروريّ لتدارك أبنائها بديهية التحام وجودهم الاجتماعي وتوحّد مصالحهم فيه، كبديل لما مرّ بها من تفرقة شديدة لعنصرها البشري وتشتيت لمقدراتها الحية العاملة.

بالانتقال إلى معاينة موجزة للوضع الراهن، وبالرغم من اتّساع مسرح أحداث هذا العالم والتضخّم الحاصل في صراعاته، إلّا أنّ كلّ ذلك لم يدفعنا للاعتقاد أنّ وضعًا جوهريًا قد اختلف منذ العصور التي مضت وحتى عصرنا هذا، فأمّتنا السورية التي كانت ولم تزل محطّ أطماع لا حصر لها، هي التي تملك من مقوّمات الحياة ما يفيض لإشباع أمم لا أمّة واحدة، وهذا ما يشهد له مخزونها النفطيّ الكبير ومنتوجها الزراعي الوافر ومقدراتها النفسية- العقلية الكامنة والماثلة كأمّة قادرة على الإنتاج الصناعي والتخلق به. إنها بمجملها المقوّمات الأساسية التي يمكن أن تحملها على الصمود في ظلّ حصار العالم أجمع لها دون أن ترمش لها عين أو يهتزّ فيها حجر.
ولو أضفنا إلى ذلك ما أظهرته الأحداث الأخيرة المؤسفة الموجعة في كياناتها، في كلٍّ من فلسطين ثم لبنان ثم العراق ثم الشام، وما بان فيها من قدرات لا حصر لها على التمرّس بفعل البطولة – سواء أكانت “عنترية” أو “واعية”- ثم التضحية بلا حساب وبلا حدود، وبذل الدماء والأرواح والأرزاق بثمن وبغير ثمن. ماذا لو أنّ مقوماتٍ كهذه توفّر لها انتماء صحيح تنتظم بمبادئه أو تتآلف بعصبية جامعة ترتكز إلى أرضية علمية حقيقية تستطيع توحيد جهود أبنائها من غير نفور أو شعور بتضارب الأهواء؟ ماذا لو تأيّدت بأهداف صحيحة ومعنى واضح لمرتكزات المصلحة الاجتماعية القومية العليا؟

نحن في الحزب السوري القومي الاجتماعي ندرك يقينًا أنّ وعيًا اجتماعيًا كهذا، ولو في حدّه الأدنى، سيهزم الذين ربطوا كلّ مصائرهم بتمزّق أوصال هذه الأمّة وتبعثر جهود أبنائها.

إنه لمن المذهل فعلًا أن نخوض هذا الكمّ من الصراعات السافرة في تنازع الأمم على المصالح، حيث كان من السهل على القوى الخارجية الطامعة توظيف قدراتنا الذاتية، القتالية منها أو الفكرية في سبيل تحقيق مصالحها هي وعلى حساب مصالحنا نحن.
صحيح، على ما يبدو، أنّ السياسات الاستعمارية الأساس التي سهّلت أمورًا كهذه كانت في نواح منها قد تركّزت على اعتماد “حكم الأقليات”، لما في ذلك من قدرة على تقويض استقرار هذه الكيانات وحقن وإشعال المشاعر الدينية للمجموعات “المتنوّعة” تحت هذا المسمّى، وبالتالي إذكاء الصراعات الداخلية أو الضغط الدائم من خلال التلويح بتأجيجها أو بتأجيجها فعلًا متى تشابكت الضرورات مع المصالح. ذلك ما تجلّى في بنية الإدارات القائمة لمجمل كيانات الأمّة، حيث أمسكت “الأقليات” بزمام السلطة فيها، هذه الإدارات القابلة للاهتزاز تحت وطأة المحرّضات الخارجية ورغبات الدول النافذة. وعلى كلّ حال فإنّ الضياع في فهم واقع الجماعة والقياس على هذا المرتكز سيؤدّي، في ظلّ أيّ نظام كان، إلى سهولة كبيرة في تقويض الاستقرار وبعث الفوضى في مجمل نواحي حياة أمّتنا.
في هذا الهيجان القائم شهدنا تضاربًا في مصالح الدول بلغ في كثير من المحطات حدّ الإعلان، أو على الأقل حدّ التلميح الصريح بحروب عالمية جديدة. وبإعلان عن تلك الحروب أو من دونه فليس من مجال للشكّ أنّ ما هو قائم فوق أرض هذه البلاد يرقى لكي يصنَّف على أنه حرب عالمية شاملة وبالجملة.
إنّ الظروف المحيطة بنا قد بلغت الذروة، ومن كلّ حدب وصوب، فالأهداف اليهودية التوراتية الواضحة في طلب هذه الأرض على الامتداد المعلن “من الفرات إلى النيل”- بالإضافة إلى تجمّع هائل لمن يبحثون عن موطئ قدم، أو عن مورد معيّن في ظلّ هذه الأزمات الاقتصادية الماثلة، ومن خلال البوابات السورية “المهتزّة”.
فتركيا، التي يجتاز مستقبلها الاقتصادي أزمة مفصلية، تصارع بما يشبه الانتحار للإمساك بخطّ النفط القادم عبر بحر قزوين من جهة، ثم الخط ّالذي كان من المفترض مروره من آبار الغاز القطرية عبر الأراضي السورية وصولًا إلى “الساحل التركي”، وهو ما بدا خلف النوبة الهستيرية الأخيرة بعد اقتراب الجيش الشاميّ من الحدود التركية كمؤشّر لإقفال هذا المشروع نهائيًا أمام وجه المصالح التركية، هذا المشروع الذي كان أحد أوقح وأبلغ أهدافه سعي تركيا نحو استعمال رخيص للأراضي السورية بل ولهضم حقوق الشعب السوري أيضًا بهدف إنعاش “شواطئها” على حساب شواطئ سورية نفسها.
أمّا من وجهة الأهداف اليهودية الاقتصادية القريبة فإنّ إطالة عمر الأزمة قدر الإمكان سيبقى، دون ريب، رأس أولويات الدولة اليهودية بعد أن تكون قد مرّرت أنبوبها الغازي نحو الداخل الأوروبي وبذلك تكون قد قطعت الطريق على منتجات الغاز “الصديقة” لها، والعدوّة على حدّ سواء. هذا فضلًا عن العائدات الأخرى لهذا الأنبوب بعد أن يصبح الممرّ الضروريّ لأي تصدير آخر، وبالتالي مزيد من التحكّم بمقدّرات الشعوب ومزيد من الإمساك بأوراق النفوذ والقوة.
من وجهة الكيانات السورية، وفي فوضى البحث عن المصالح والأدوار، كان من السهل مثلًا على الإدارة السياسية في الشام أن تجد أنّ المستفيد الأكبر من مرور خطّ الغاز القَطَريّ فوق أراضيها هو تركيا وحدها، فعائدات الشام تغدو متواضعة جدًا متى قيست بالمنفعة التركية وبالقدرة على التوظيف، ومن ناحية أخرى لا بد أن يكون السياسيون الشاميون قد لمسوا، خصوصًا في الآونة الأخيرة قبيل اندلاع الأحداث الدامية، تصريحات تركية عدوانية ظهرت في العلن قبل الخفاء، وطلبات غير مأمونة الجانب كانت تهدف إلى زجّ جهات سياسية في السلطة الشامية نمت وتربّت تحت النفوذ التركي..

لعلهم رأوا أنّ أوراق القوة في وجه أيّ نفوذ خارجي، خصوصًا التركي، ستكون محدودة أو ضعيفة إلى حدودها الدُنيا مما سيؤدي حكمًا إلى فرض شروط الأتراك ومصالحهم على حساب المصالح الحيوية في الشام، وذلك ما سيقود في نهاية المطاف إلى استقطاب مسارات المنافع بما يُخرج أي سيطرة أو عودة إلى الوراء، وبالتالي نحو تراجعات اقتصادية واجتماعية بالجملة وإلى إضعاف شامل في بنية الدولة والنظام.
هذا ما لم يكن ليختلف وقعه في الوقت عينه على العراقيين أيضًا، فتحت ضغط اكتساب الأتراك للأوراق الاقتصادية وبالتالي الإمساك بالمسار لا بل بالمصير السياسي لأي “طيف” من أطياف السلطة، لن يكون هدفًا بعيدًا عن المطامع التركية الظاهرة منذ ما يزيد على خمسماية عام وحتى الآن.
كلّ هذا بالطبع هو بعض النواحي الجزئية لهذه “الأزمة” أو بعض الأمثلة عليها وليس كلّ أسبابها التي بات من الصعب علينا حصر تشابك أو تضارب الإرادات الدخيلة على حياتنا أو تعداد الأطماع الضاربة فيها، وهو بالتأكيد ما لن يتوقف سواء بحضور الجشع التركي أو بغيره، وحتى اقتراب ساعات الفجر المنتظر الذي لا مناص منه حين يعمّ الوعي الحقيقي وضوحًا فوق ازدحام الضلال، وإلى أن تُبصر الأهداف الحية الخطيرة لحياة هذه الأمّة.

بالنسبة لنا “فإنّ حياة الأمم هي حياة حقيقية، لها مصالح حقيقية، وإذا كان الحزب السوري القومي الاجتماعي قد تمكّن من إحداث هذه النهضة القومية الباهرة في وطننا فالفضل في ذلك يعود إلى أنه يمثل مصلحة الأمّة السورية الحقيقية وإرادتها في الحياة. وإن سورية تمثل لنا شخصيتنا الاجتماعية ومواهبنا وحياتنا المثلى ونظرتنا إلى الحياة والكون والفن وشرفنا وعزّنا ومصيرنا، لذلك هي لنا فوق كلّ اعتبار فرديّ وكلّ مصلحة جزئية”.
لمثل هذا لا “يحتفل القوميون الاجتماعيون بذكرى ولادة باعث نهضتهم بمعزل عن مبادئه”، تلك هي المبادئ التي لطالما كانت وستبقى مرتكز الحقيقة الوجودية الناصعة التي في سبيلها لم نزل نمضي في هذا الصراع، ولأجلها وتحت كلّ هذا الويل… باقون لنحتفل…

 

 

المركز في الأول من آذار 2016
لتحيَ سورية وليحيَ سعاده
عمدة الإذاعة
أجاز نشر هذا البيان رئيس الحزب الرفيق الدكتور علي حيدر.

 

عن admin

شاهد أيضاً

بيان عمدة القضاء بعنوان: “تغيير النظام اللبناني حاجة ملحّة”

أيها اللبنانيون!
يا أبناء الأمّة التي أنتجت القوانين والتشريعات الأولى في تاريخ البشرية، واستقى منها القاصي والداني إن الأنظمة والقوانين والتشريعات هي نتاج إنساني اقتضته الحاجة لتنظيم المجتمعات البشرية لتسيير شؤون حياتها والارتقاء بها إلى حياة أفضل، تتحقق من خلالها إرادة وتطلعات الشعوب، وتنتج الأمن والاستقرار والرخاء الاقتصادي، كما تتنظّم مؤسساتٌ تستهدف إحقاق العدل والمساواة بين أبناء الشعب الواحد دون تمييز.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *