الثلاثاء , مارس 28 2017
الرئيسية / منشورات / عمدة الإذاعة / نحو إزالة النفايات الفكرية

نحو إزالة النفايات الفكرية

إظهار الفساد لا يقلل الأمل بنهضة الأمّة، بل يزيده، لأنه يعني إدراك الحالة كما هي تمامًا، وهذا الإدراك يسهّل المعالجة ويفتح الطريق في الأوساط الشعبية لقبول تعاليم العهد الجديد بلا تردّد.» سعادهalt

في بيروت ضجّة، هذه الأيام، وليس في اللاذقية كما يقول المعريّ. هي ضجة عالية صاخبة، ولكنها، لمن يدرك ويعي الأعماق والأبعاد، ضجة صادقة صافية واعدة، لأنها نابعة من صميم المعاناة والألم والمرارة التي يعيشها شعبنا في لبنان منذ إنشائه كيانًا سياسيًا ضعيفًا على يد الاستعمار، حيث تسلّطت على إدارة شؤونه طغمة من الساسة المنتفعين الذين استباحوا وما يزالون، البشر والحجر ومقدّرات الكيان وموارده وإمكاناته، متوسّلين، لإحكام نفوذهم وتثبيت سلطانهم، الاستقواء بالخارج مقابل الارتهان والتبعية لمشيئته، مستخدمين في الداخل شتّى أصناف العصبيات الجزئية المدمِّرة التي تمعن في شرذمة الشعب وإضعافه ليسهل قياده وانقياده غافلاً نحو البؤس والشقاء والبلاء..
إنّ الحراك الشعبي الاحتجاجي الذي بدأ غداة ما سُمّي بـِ “أزمة النفايات” فملأ ساحات بيروت، قد جاء اجتماعًا عفويًا تلقائيًا محمّلاً بمعاناة وغضب الناس، مشحونًا بتراكم الأزمات السياسية- الاجتماعية- الاقتصادية التي أثقلت كاهل المواطن، فجعلته يرزح تحت وطأة الدَين العام، وينوء تحت مطارق الغلاء والفقر والفاقة والبطالة وانعدام فرص العمل، ويتقوقع على ذاته في ظلّ التسيّب والفلتان الأمني، ويتوجّس على مستقبل أبنائه المهدّد، إمّا بالهجرة والاغتراب أو بالسير في ركاب القطعانية والخضوع لأهل السياسة البالية والمال والطوائف.
إنّ كلّ الأزمات السابقة والراهنة المستمرّة بعامل الوراثة السياسية واستمرار الذهنية العتيقة عينها في مقاربة ومعالجة شؤون الحياة، مسؤول عنها، في الدرجة الأولى، النظام السياسي العفِن الذي غيّب مؤسسات الدولة لصالح نظام المِلل- نظام المحاصصة الطائفية الحزبية الزبائنية الذي يمثّل ثقافة “النفايات الفكرية” التي تمعن، كلَّ يوم، في اغتيال الحرية ونحر المساواة ودفن العدالة الاجتماعية.
أمام هذا الواقع المتردّي يأتي هذا الحراك الشعبي المتنامي معبِّرًا عمّا يختلج به وجدان الشعب في لبنان، وعما تتوق إليه النفوس المُحِبة العامرة بحبّ الوطن، والتي حرّكت فيها هذه الاختلاجةُ مكامنَ الأصالة فانفكّت عن العصبيات الموتورة والإيمان الأعمى والولاء السابق لقوى “الأمر الواقع” على تنوّعها، واتجهت نحو ساحات الحرية تنشد التغيير للخروج من الظلمة إلى النور، من حالة عفنة لا نظام فيها إلى نظام جديد قاعدته الوحيدة الولاء للوطن، وعماده الأساسي المواطَنة، فيكون الجميع في وطنهم الواحد الجامع مواطنين أحرار أعزّاء، متساوين في الحقوق والواجبات، خارج القيود والسلاسل الطائفية والفئوية، لا رعايا قاصرين مسلوبي الإرادة في طوائف، ولا مطايا غافلة سادرة تجسّد في سلوكها ثقافة القطيع.
أيها الشعب اللبناني النبيل
لقد أعلن باعث النهضة القومية الاجتماعية، سعاده المعلم في النصف الأول من القرن الماضي ما يلي: “إذا كانت الطبقة الحاكمة في لبنان تعتبر أنها هي لبنان وأنّ الشعب ليس سوى الجماعة المحكومة، فلنا الشرف أن نعلن أنّ من أهمّ أهداف الحزب السوري القومي إزالة هذه الصورة السيئة لحياتنا القومية- صورة الحاكم والمحكوم- والقضاء على الامتيازات المدنية في الدولة.”
هذه الصورة السيئة التي جاهد سعاده الرائد لمحوها فدفع حياته ثمنًا في مواجهتها، ومن بعده استمرّ حزبه على هذا الطريق النضالي الطويل متحمّلاً صنوف المعاناة والعذابات، هذه الصورة السيئة المستمرة عقودًا متتالية، والممعنة في استعبادنا وإضعافنا وإهدار إمكاناتنا، مطلوب من شعبنا كله، الآن ودائمًا، المبادرة إلى إزالتها وتجاوزها وبناء حياة جديدة تليق به وبتاريخه وحضارته الباسقة التي أشرقت من جنباتها قيم الحق والخير والجمال..
“آن للشباب أن يدرك” ذلك هو النداء الصادق الذي أطلقه سعاده لشباب بلاده باكرًا، عسى أن يتلقّفه شبابنا اليوم فنشبك أيدينا بأيديهم ونسير معًا لتحقيق مطلبنا الأعلى: عزّ الحياة ومجدها، فيكون في سيرنا الجادّ القضاء والقدر.. وإلى اللقاء في ساحات الحرية.

المركز في 25 آب 2015

لتحيَ سورية وليحيَ سعاده
عمدة الإذاعة

عن admin

شاهد أيضاً

بيان عمدة القضاء بعنوان: “تغيير النظام اللبناني حاجة ملحّة”

أيها اللبنانيون!
يا أبناء الأمّة التي أنتجت القوانين والتشريعات الأولى في تاريخ البشرية، واستقى منها القاصي والداني إن الأنظمة والقوانين والتشريعات هي نتاج إنساني اقتضته الحاجة لتنظيم المجتمعات البشرية لتسيير شؤون حياتها والارتقاء بها إلى حياة أفضل، تتحقق من خلالها إرادة وتطلعات الشعوب، وتنتج الأمن والاستقرار والرخاء الاقتصادي، كما تتنظّم مؤسساتٌ تستهدف إحقاق العدل والمساواة بين أبناء الشعب الواحد دون تمييز.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *