الثلاثاء , مارس 28 2017
الرئيسية / مختارات / بأقلامكم / محاولة في شرح وتوضيح المحاضرة الاولى

محاولة في شرح وتوضيح المحاضرة الاولى

لا يسع القارئ، وهو يستنطق مضامين ما كتبه سعادة، أو تفوّه به خطابة، إلاّ أن يبطّئ خطاه، أو أن يتوقّف متأمّلاً بالدعوة الملحّة إلى الدرس والتعمّق العقدي، منذ البدايات التأسيسيّة وحتى الاستشهاد، متسائلاً عن السبب أو الأسباب التي جعلته يصوّب على هذه الناحية، وربما يجعلها نقطة الدائرة في المجال الفكري التثقيفيّ، لا بل في المجال العملي الحزبي الشامل.

نبادر إلى القول إنّ الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ ليس حزبًا سياسيًّا بالمعنى الدارج الغالب؛ ذلك أنّ السياسة في مفهومنا هي شأن حياتيّ يهدف إلى تأمين مصلحة الشعب في استمرار حياته؛ وهي سياسة منبثقة من مفاهيمنا القوميّة وتصبّ في دائرة مصلحة الأمّة. وبالتالي ليست شأنًا مستقلاًّ يتمتّع بمقوّمات خاصّة وغايات خاصّة.
وإذا لم يكن الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ حزبًا سياسيًّا عاديًا، فما هو إذًا؟؟؟ وهل يتميّز عن سواه بالمنطلق والغاية والوسائل؟

لكي لا نطيل ونفقد بوصلة بحثنا، نثبت ما أكّد عليه الزعيم في الخطاب المنهاجي في الأوّل من حزيران 1935:” ليس الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ، إذًا، جمعيّة أو حلقة… إنّ الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ لأكثر كثيرًا من جمعيّة تضمّ عددًا من الأعضاء أو حلقة وجدت لفئة من الناس أو من الشباب. إنه فكرة وحركة تتناولان حياة أمّة بأسرها …إنّه نهضة أمّة غير عاديّة – أمّة ممتازة بمواهبها، متفوّقة بمقدرتها، غنيّة بخصائصها…”.

ولأنّه فكرة لا بدّ من توضيح وتفسير وتحديد حقيقة هذه الفكرة، لكي تكون الثابت المكين الشامل الذي يوجّه ويضبط عمل الحركة في رؤية واضحة ونظرة موحّدة. وأيّ خلل في فهم الفكرة يؤدّي حتمًا إلى زوغان البصر والبصيرة في متاهات لا يمكن أن تتوافق وتنسجم مع ما أراده المعلّم من تأسيس الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ.
ولكي لا نقع في مستنقع المحظور كان تشديد سعادة على الدرس الدائم والتعمّق الهادف.

في المحاضرة الثانية 18 كانون الثاني 1948: “بديهيّ إذن أن لا نتمكّن من فهم قضيّة الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ كلّها بكامل أجزائها وفروعها، ما تتكشّف عنه من مناقب وأهداف سامية، ما تتعرّض له في سيرها من مثالب في الحياة، إلاّ بالدرس والتأمّل الطويل. إنّ قضيّة من هذا النوع تتكشّف عن كلّ هذه الأهداف الخطيرة تحتاج إلى دراسة منظّمة متسلسلة لا تجمعها محاضرة واحدة أو كتاب واحد، بل هي تستمرّ، ويستمرّ الفكر يتغذّى منها ويتفتّح على شؤون العالَم مطلقًا،…”( المحاضرة الثانية 18 كانون الثاني 1948).

والتشديد على هذا الأمر نتبيّنه في كتابات سعادة بعد انكشاف أمر الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ في السادس عشر من تشرين الثاني من العام 1935، ممّا جعله يقدم على إنشاء الندوة الثقافيّة في العام 1937 من أجل درس العقيدة السوريّة القوميّة الاجتماعيّة وتجذير وترسيخ حقيقتها في نفوس القوميين الاجتماعيين ليتمكّنوا من حملها بدقائقها، محصِّنين أنفسهم ضدّ الاختلاطات الفكريّة التي تزحف من كلّ صوب، وتحاول التسلّل إلى كلّ نفس، وبالتالي التمكّن من نشرها وتوضيحها وتأمين مقوِّمات انتصارها.
ومن هذه الزاوية كانت “المحاضرات العشر” التي ألقاها الزعيم في الندوة الثقافيّة بدءًا من السابع من كانون الثاني 1948، وانتهاءً بالرابع من نيسان 1948؛

وعليه سنحاول الإضاءة على المفاصل الأساسيّة في كلّ محاضرة على حدة، والاستعانة بما يساعد على التوضيح من كتابات سعادة أولاً، ومن شواهد أخرى ثانيًا.
المحاضرة الأولى
تتصدّر هذه المحاضرة مقدّمة للزعيم تكشف عن عدد الحاضرين فيها، وتنامي هذا العدد في المحاضرات التي تلت.
ويمكن للمتابع المدقِّق أن يتبيّن مجموعة من العناوين فيها، التي قرّر الزعيم الإضاءة عليها وشرحها وتوضيحها. ومن هذه العناوين:
1. الندوة الثقافيّة وسبب العودة إليها بعد توقّف.
2. ضرورة الالتزام بحضور الندوة.
3. الاطلاع وتكوين الرأي.
4. مفهوم النهضة.
5. المبادئ وضرورة الاهتمام بدرسها ودرس تاريخ الحزب.
6. “الواقع اللبناني” والقائمون به. (انحراف).
7. انحراف صايغ وتويني والخال. (حرّيّة الفكر).
8. من التفكير بتحقيق مبادئ النهضة إلى التفكير بمصير التيارات المبلبِلة. (انحراف).
9. القيم القوميّة والإيمان بها، مقابل الخلط بينها وبين القيم الأخرى.
10. الدعوة إلى البطولة والعمل على تحقيق المبادئ. ( رسالة من الأرجنتين 20 /6/1947)
11. مسؤوليتنا عن عقيدتنا.

هذه العناوين وإن بدت متعدِّدة شكلاً فهي تشكّل وحدة في منطلقها وبُعدها. وفي التدرّج يأتي عنوان الندوة الثقافيّة في المقدِّمة. فلماذا العودة إلى استكمال أعمالها بعد توقّفٍ قسريّ فرضته الظروف القاسية التي مرّت على الأمّة والحزب، واغتراب الزعيم القسريّ بشكلٍ خاص؟

في مقدِّمة كتاب الزعيم إلى الدكتور شارل مالك “كتاب نقدٍ وتوجيه”، (النظام الجديد-العدد الأوّل- آذار 1948-ص 27)، إشارة إلى تاريخ ابتداء الندوة الثقافيّة، وغاية إنشائها: “أنشئت الندوة الثقافيّة في الحركة القوميّة الاجتماعيّة في خريف سنة 1937 للأبحاث الثقافيّة ولنقل الفكر من السطحيّات ومسائل الإدراك العاديّ إلى الأساسيّات وقضايا العقل العلميّ والفلسفي”. واستتباعًا لهذا التوضيح يذكر الرفيق جورج عبد المسيح في “أيام قوميّة من عمّاطور إلى الإسكندرون”، ص 99 الندوة الثقافيّة في رحلتها الأولى فيقول: “إنّ هذه الندوة الخاصّة ضمّت عددًا من ذوي الثقافة العالية والإمكانيات الفكريّة في الحزب وقد ترأسها في رحلتها الأولى الأستاذ زكي النقّاش. وقد اتسعت لأبحاث هامّة جدًّا في شتّى مناحي الحياة الفلسفيّة والعلميّة، والرجوع إلى وقائع جلساتها يظهر بوضوح النظرة القوميّة الاجتماعيّة إلى العلم والفنّ والفلسفة”.

فغاية الندوة الثقافيّة تتجاوز الحلقات العاديّة واللقاءات الفكريّة الترفيّة وحتّى الصفوف الإذاعيّة التوضيحيّة، إلى ما هو أكثر شمولاً وبُعدًا وعمقًا؛ ففي الندوة الثقافيّة ترسيخ الأسس وتثبيت القواعد وتناول قضايا العقل بعيدًا عن السطحيّ وولوجًا إلى القعر في كلّ تجلياته وحقائقه. فالجوهر في الأعماق وهو ما تبحث عنه الندوة الثقافيّة، أمّا السطحيّ فعرضةٌ للخداع والمزاج والتبدّل. من هنا كان تأكيد سعادة على ضرورة نقل الفكر من السطحيّات إلى الأساسيات في دائرة الندوة الثقافيّة، التي لم يكتفِ بالعموميّات فيها، بل انتقل إلى التفصيل في قانونٍ خاصٍّ بها بعنوان: “قانون ندوة الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ الثقافيّة” محدِّدًا فيه غاية الندوة بمادّة وحيدة، والقانون الداخليّ بعشرين مادّة؛ وقد صدر في 25 نيسان 1948. (مراجعة النشرة الرسميّة- أيار- العدد التاسع، المجلّد الأوّل).

ولا بدّ للدّارس من استخلاص المفاصل الأساسيّة التي تتضمنها غاية الندوة، وهي:
– التعمّق في درس التعاليم القوميّة الاجتماعيّة
– التمكّن من هذه التعاليم
– إيضاح المبادئ والقيم والقواعد القوميّة الاجتماعيّة
– إيضاح القضيّة القوميّة والنظرة إلى الحياة والكون والفنّ.
– بعث التراث السوري الفكريّ.

ناهيك بأنّ قانون الندوة الثقافيّة الداخليّ تتكامل موادّه العشرون لتكون في خدمة هذه الغاية، لتلتقي مع إصرار الزعيم الدائم، في مناسبات كثيرة، على ضرورة أن ينكبّ القوميون الاجتماعيون على درس العقيدة والتعمّق بها.
يكفي أن ندرك غاية الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ، وعمق المبادئ القوميّة الاجتماعيّة، وأن ندقّق في مساره التاريخيّ، لنستنتج السبب الذي جعل الزعيم يحوّل الدعوة إلى الدرس لازمةً في كلّ مناسبة تتيح المجال لذلك.
فمن الخمسة المنضوين الأوائل سقط اثنان لسوء التربية أوّلاً، ولجهل القواعد المكينة الثابتة التي يقوم عليها الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ. ولم يسلم تاريخ الحزب من مجموعات مصابة بالآفتين المذكورتين، حتى بعد عودته من اغترابه القسريّ؛ فقبيل عودته نشأت حالات مثلبية على صعيد بعض المسؤولين المركزيين، لم تفاجئ المعلِّم لأنّه شهد مثلها في مغتربه وقبله، ناتجة عن أوضاع شخصيّة فرديّة أوّلاً، وبدفعٍ خارجيٍّ ثانيًا؛ وقد شكّلت المحاضرة الأولى تصويبًا مباشرًا على الحالات والأسماء، ليكون الرفقاء بمنأًى عن ترّهات وأباطيل وانحرافات هؤلاء.

إلزاميّة حضور الندوة:
ولكون الندوة الثقافيّة هي بمثابة الرافعة الحقيقيّة للعمل الحزبيّ العام وضبطه، فقد كان التشديد على وجوب الحضور إليها، تحت عنوان “الواجب الأوّليّ الأساسيّ”، خاصّةً بالنسبة للأوساط المثقّفة؛ وإن كانت هذه الأوساط غير جديرة بتطبيق نظام الندوة الثقافيّة، فذلك يعني أنه تفتقر إلى القدرة على حمل أعباء الحركة السوريّة القوميّة الاجتماعيّة.
وهذا الواجب يمهّد الطريق أمام اكتناز المعرفة، وبالتالي “فهم أهداف الحركة وأسسها”،إذ بدونهما- المعرفة والفهم – لا يمكن أن نفعل شيئًا “في سبيل الحركة والعقيدة والغاية التي اجتمعنا من أجلها”.” يجب علينا أن نفهم هدفنا فهمًا صحيحًا لنكون قوّة فاعلة محقّقة ولكي نتمكّن من العمل المنتج”. ولا يخفى على الواعين أهمّيّة الربط الذي شدّد عليه سعادة، بين الفهم الصحيح الناتج عن الدرس والبحث والتعمّق، والفعل القويّ المنتِج الذي يحقّق النهضة القوميّة الاجتماعيّة ويؤسِّس المجتمع الجديد.

الاطلاع وتكوين الرأي:
بين التصفّح العابر، والقراءة السريعة، والاهتمام بالقشور، وبين الغوص إلى الأعماق لاكتشاف الحقائق، تكمن أهميّة الرأي؛ فإمّا أن يكون رأيًا عقلانيًّا واعيًا قوامه اطّلاعٌ هادفٌ شفّافٌ، يربط السّبب بالنتيجة، ويحدّد المنطلقات والأهداف بطريقة علميّة واقعيّة، ويرسم علامات الطريق بعُدّة ترقى إلى سموّ المنطلق والهدف، وإمّا أنه يمسي سفسطة تفتح الطريق أمام انتشار الفوضى الفكرية، واختلاط المفاهيم بعضها ببعض.

ومن الضروري لفت النظر إلى أنّ الاطّلاع لا يحتّم تكوين رأيٍ، بل هنالك إمكانيّةٌ لتكوين رأيٍ، إذا التزم المطّلِع بالمبادئ العقلانيّة والإراديّة، وارتكز على قواعد الثقافة السليمة البانية. من هنا كان قول سعادة: “بعد الاطّلاع يمكن تكوين رأي”.

والاطّلاع من أجل الاطّلاع ترفٌ لا يُغني ولا يُضيف أيّ لبنةٍ إلى صرح العمل النهضويّ، لا بل يزيد من الركام الذي يعرقل ويغذّي عوامل الفوضى ويضاعف من تأثيراتها. إذ ما الفائدة من مطَّلِعٍ ينقل ما قاله زيدٌ أو عمرو، أو ليس هذا أشبه بآلة جامدةٍ مسجِّلة لا حياة فيها، ولا عقلَ لها، ولا قدرةَ على فصل القمح عن الزؤان، أو تقييم هذه الفكرة أو تلك، أو هذا المفكّر الفيلسوف أو ذاك. أيمكن مثل هذا المطَّلِع أن يؤثِّر في إنشاء نهضة حقيقيّة، أو يدّعيَ أنّه، رغم مخزون المعلومات التي يختزن، أنه ماردٌ معرفيّ، وهو الذي ينضح بعطاءات غيره وإبداعاتهم؟

وهل الاطّلاع على نواحٍ ثقافيّة متعدّدة المصادر لاتينيّةً أو أنقلوسكسونيّةً أو سواهما، أو الاطّلاع على تياراتها الفكريّة المتنوّعة والمختلفة والمتضاربة في كثيرٍ من الأحيان، والخالية من غايةٍ أو من غاياتٍ عقليّة محدّدة، يمكن أن ينشئ نهضةً؟

يؤكِّد سعاده أنّ مثل هذا الفكر الناقل والمضطرب لا يمكن أن يؤسِّس لنهضة؛ فنقلُ ما نعرفه عن فلاسفة أو سياسيين غربيين، أو غير غربييّن، والتكلّم على من اكتشفوا اكتشافات علميّة، لا “يكفي ليكوّن نهضة منّا نحن”. كما أنّ مثلَ هذا الفكر المضطرب قاصر عن أن يواكب خطّ النهضة التصاعدي، لأنّه يُؤخذُ بواحدٍ من المفكّرين، ولا يلبث أن ينتقل إلى آخر، ثمّ يسجن نفسه ضمن بعض الأفكار ويستأنس البقاء فيها، ويبدأ برفض كلِّ رأيٍ آخر، أيًّا كان هذا الرأي، فنغدو أمام حالة فسيفسائيّة لا يمكن أن تتّحد قطعها وإن نقاربت.
أو يمكن في حالة، أو حالات كهذه، في ظلّ تضارب القواعد والأهداف، وفي دائرة التكلّم المضطرب المبعثر على موليار وهيغل وكانت وشوبنهور وغيرهم أن ندّعيَ النهضة والنهوض؟ إنّ ذلك لا يزيد البلبلة إلاّ بلبلةً والتخبّط تخبّطًا. يجب أن يكون لنا “رأيٌ وموقفٌ واضح” في أفكار هؤلاء وفي المفكّرين أنفسهم. وذلك انطلاقًا من حقيقتنا نحن، ومن جوهر نفسيتنا نحن، ومن شخصيتنا القوميّة نحن.

وفي السياق عينه لا بدّ من لفت النظر إلى أنّ الفلاسفة، مهما علا شأنهم، وفي إطار الاحترام والتقدير لهم، لا نؤخذ بأسمائهم وشهراتهم، بل بما قدّموا وأعطوا وأنتجوا وأبدعوا؛ من هنا كانت الملاحظة التي وجهها الزعيم إلى الدكتور شارل مالك في كتاب “نقدٍ وتوجيه” في العاشر من نيسان 1938، حيث يقول: “وإنّه من الحَسَن أن يفكّر الإدراك العاديّ بديمكريطس وصكرات وأفلاطون وأرسطو وأغسطين وزينون ونيتشه، ولكني حين أفكّر أنا في الفلسفة لا أفكّر بهذه الأسماء، بل في الحقائق الأساسيّة والمرامي النفسيّة الأخيرة عينها التي فكّر فيها هؤلاء الفلاسفة.

“وأعتقد أنّك أنت أيضًا ستظلّ تحدّق، من خلال هذه الأسماء، في الحقائق النفسيّة الأخيرة، حتّى تغيب من أمام باصرتك هذه الأسماء، وتغوص على هذه الحقائق والمرامي في أعماق نفسك وتحسّ تيّاراتها الخفيّة الجارية تحت الطبقات التاريخيّة المطبقة عليها، فتكتشف نفسك-نفسيتك الأصيلة بكلّ جمالها وكلّ قوّتها- فتخرج فيلسوفًا لا ناقل فلسفة”.
إنها إشارةٌ لافتةٌ تضعنا على خطّ العمل النهضويّ الصحيح، الذي يفتح أمامنا باب النهضة الحقيقيّة التي شدّد عليها المعلّم كونها جوهر العمل القومي وأساسه وغايته. فما هو معنى النهضة؟

معنى النهضة:
بكلّ وضوحٍ ودقّة وتركيز حدّد الزعيم النهضة كما يلي: “النهضة هي الخروج من التفسّخ والتضارب والشكّ إلى الوضوح والجلاء والثقة واليقين والإيمان والعمل بإرادة واضحة وعزيمة صادقة. هذا هو معنى النهضة لنا”.
قد لا نجد قوميًا واحدًا لا يحفظ هذا التحديد عن ظهر قلب؛ وهو أمر لا غبار عليه. ولكن الأهمّ من استظهاره، هو كنه كلّ أبعاده وجزئياته ومفاصله في إطار التدبّر العقليّ الشامل للعقيدة القوميّة الاجتماعيّة، والعبور بعد ذلك إلى المستوى التطبيقيّ العملي.

يكفي أوّلاً أن ندرك أهمية معنى الفعل نهض، لنلج إلى عمق المفهوم الوارد في التحديد أعلاه؛ نهض الشخص: هبّ وتحرّك مسرعًا؛ ومن معانيه أيضًا في السياق عينه، قام واستعدّ وتهيّأ. ففي النهوض قيام وحركة واستعداد وتهيّؤ؛ ما يعني أنّ النهضة تتطلّب هذه القواعد المادّيّة والمعنويّة لتغدوَ محقَّقةً. فعلى المؤمن بالنهوض ألاّ يستسلم للمفعول المفروض ويستسيغ الإقامة في كهوف الجهل والتقليد العفن والعادات البالية وفقدان الثقة بالنفس، بل عليه أن ينتصب واقفًا ويتحرّك نحو الأفضل، ويكون مستعدًّا أبدًا ومتهيئًا، للانقضاض على الجلاّد الذي يبغي خنق التوق فينا إلى الحق والحريّة، وعلى كلّ ما يقف معرقلاً في وجه النهضة التي تشكّل مدار فعلنا.

وفي عمليّة التحرّك والتهيّؤ والاستعداد اتجاه للخروج ممّا يجزّئ ويقسّم ويفسِّخ، إلى ما يوحَّد؛ وممّا يرفع سواتر التباين وحواجز الاختلاف، إلى التوافق والاتفاق والائتلاف والانسجام؛ وممّا ينمّي بذور الشكّ، إلى ما يميتها ويحيي عامل اليقين العقليّ الذي نبغيه ونتقصّده لبلوغ الغاية التي نعمل من أجلها.

ففي العمليّة النهضويّة إذًا، عبورٌ من عالَم مثلبيّ عتيقٍ مفكَّكٍ مبعثرٍ إلى عالم النور، عالَم الضوء، عالَمِ الوضوح والجلاء، عالَمِ الثقة المبنيّة على أسس عقليّة اجتماعيّة واعية، مدارها ومرتكزها النظرة الجديدة إلى الحياة والكون والفنّ، التي جاء بها سعادة؛ إلى عالَمٍ يضجّ بالإيمان: الإيمان بذاتنا القوميّة، الإيمان بحقيقتنا السوريّة القوميّة الاجتماعيّة، الإيمان بالقضيّة القوميّة التي تعني كلّ وجودنا، الإيمان بأنّ فينا قوّة لو فعلت لغيّرت مجرى التاريخ، الإيمان بأنّ كلّ ما فينا هو من الأمّة ولها، الإيمان بأنّ مصلحة سورية فوق كلّ مصلحة.

وهذا العبور لا يقتصر على الناحية الفكريّة والنفسيّة، بل يتعداها إلى ما يكمّلها، ويعطيها القيمة الفعليّة، وما يكمّلها هو الناحية العمليّة؛ فالخروج من الحالة المثلبيّة يشرّع الأبواب أمام العمل الهادف المرتكز على الإرادة الواضحة بمقوّماتها العقليّة الهادفة، والهدف هو الحياة الاجتماعيّة وجودتها؛ كما أنّه يقوم على القصد الذي نعقد النفس على تحقيقه، وقصدنا هو حياتنا، جودتها، سمّوها،عظمة قيمها.

إن هذا المعنى لحقيقة “النهضة” الذي أوضحه الزعيم في هذه المحاضرة الأولى في السابع من كانون الثاني 1948، ثابت في الخطاب المنهاجيّ الأوّل في الأوّل من حزيران 1935، حيث عبّر الزعيم فيه عن القواعد الأساسيّة وأهداف الحزب العمليّة. وقد شكّل هذا الخطاب مستندًا أساسيًّا للذين أرادوا أن يكتبوا في حقيقة الحزب ومراميه، أو أولئك الذين أرادوا أن يحرّضوا ضدّ الحزب لغايات فرديّة أو فئويّة أو سياسيّة أو طائفيّة، كما فعل الخور أسقف لويس خليل في كرّاس أصدره سنة 1936 تحت عنوان “الحزب السوري القومي، مؤامرة على الدين والوطن” صادر عن المطبعة الكاثوليكية في بيروت. ومن المفيد لفت النظر إلى أهم النقاط التي تناولها الكراس. (ومن أراد المزيد عليه أن يراجع ملحق كتاب “أيام قوميّة” الجزء الأوّل للرفيق جورج عبد المسيح في الصفحة 126).

في هذا الكرّاس نداء إلى الشبيبة اللبنانية، يليه إعطاء مصادقة من بطريرك أنطاكية وسائر المشرق أنطوان بطرس [عريضة] في 26 تموز 1936، لطبعه؛ يلي ذلك عنوان “الحزب السوري القومي” توطئة تتضمّن “موقف الحزب من الدين والكنيسة” من زاوية نظر الخور أسقف لويس خليل؛ إضافة إلى عنوان آخر”الحزب مؤامرة على الوطن”، ويختم بنتيجة.
ولأنّ المقام لا يستهدف مضمون هذا الكرّاس، ولا هو في هذا السياق، فما على المُريد إلاّ أن يعود إليه ليكشف الزيف والترهات والأباطيل التي وقع فيها المؤلِّف، أو أوقع نفسه فيها، أو أُوقع فيها.

إهمال درسٍ، وسوء تدبّر،ٍ وإصرار على الانحراف:
إنّ الالتواء في الفهم، مقصودًا كان أو غير مقصودٍ، لم يقتصر فقط على المدفوعين لتشويه صورة العقيدة والحزب من مواطنين ممّن لم ينتظموا فيه ومن غير مواطنين، بل تعدّاهم إلى مجموعةٍ منتميةٍ، زاغ بصرها حين قُدِّمت لها الإغراءات، بعد أن تمّ ترسيخ المفاهيم الفرديّة في النفوس خلال التحصيل الجامعيّ؛ فلكي تغطّي هذه المجموعات السموات بالقبوات حاولت أن تجرّ الحزب والرفقاء إلى ما لا ينسجم أو يتوافق مع العقيدة، متّخذة من وضعها التنظيميّ وسيلة للانحراف. الأمر الذي زاد من إصرار الزعيم على إلقاء محاضراته في الندوة الثقافيّة، والتصويب على هذه الآفة في مقالات متعدِّدة وفي خطبٍ مختلفة؛

واللاّفت أنّ الزعيم أضاء على ما كان يتوقّعه بشأن العقيدة والحزب في غيابه القسري، وما شهده على أرض الواقع. كان يتوقّع أن يكون القوميّون الاجتماعيّون قد انكبّوا على دراسة حقيقة المبادئ التي هي “مكتنزات الفكر والقوى… وقواعد انطلاق في اتجاه واضح” ودراسة الشروح الأساسيّة التي توضّح الاتجاه والغاية والأهداف؛ لكنّ الوضع الذي ساد كان يجافي هذه الحقيقة؛ باعتبار فقدان العناية بتدريس تاريخ الحزب، وكيفيّة تغلّبه على الصعوبات، بالإضافة إلى الابتعاد عن المفاهيم العقدية القويمة. جرّاء هذا الوضع سادت حالة انحرافيّة كادت تودي بكل الإنجازات لولا تدارك الأمر في الوقت المناسب، ووضع حدٍّ قاطعٍ لها.

وفي رسالته إلى غسان تويني في 26 أيار 1946، وتصويبًا لتحليل هذا الأخير الخاطئ بشأن “التشديد المتطرّف على العقيدة، حتى إنّ هذا التشديد تحوّل إلى تحجّر أكاديميّ جعل الحزب في موقفٍ سلبيٍّ من السياسة القائمة…” يقول سعادة: “إني أرى في هذا التحليل غلطًا في التقدير والاستنتاج ناشئًا عن عدم العناية بدرس نشوء الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ، والكيفيّة التي نشأ فيها والظروف المحيطة بتلك النشأة. والظاهر أنّ مؤسّسات الحزب الثقافيّة والإذاعيّة والسياسيّة لم تُعنَ العناية اللازمة بهذه الناحية الهامّة من الثقافة الحزبيّة أو لم تسمح لها الظروف بتوجيه العناية إليها”.

وقد وصلت الحالة إلى حدِّ الخروج عن كلّ القواعد الفكريّة والتنظيميّة، إذ إنّ بعض الأعضاء الذين يدّعون العضويّة والرفقة، وباستغلالٍ للمسؤوليّة الإداريّة، كانوا يتقوّلون في قضايا الحزب والعقيدة والحركة كأنهم في تنظيمٍ حزبيٍ آخر، أو أنهم غرباء كليًّا عن الحركة القوميّة الاجتماعيّة. يدّعون أنهم قوميّون اجتماعيّون لأنهم فقط مسجّلون رسميًّا في السجلاّت الحزبية.

لقد أهملوا ما كان جوهريًا في نشوء النهضة، من نظاميّةٍ فكريّة وروحيّة ومناقبيّة، إلى حدِّ أنها كادت تنعدم في الدوائر الحزبيّة العليا، وكادت تعرّض الحركة للميعان العقدي والنظاميّ.

“الواقع اللبنانيّ” ونعمة ثابت ومأمون أياس:
في مقدِّمة الخارجين على القواعد النظاميّة والعقدية والمناقبية والفكريّة، بعد عودة الزعيم من مغتربه القسري، نعمة ثابت ومأمون أياس، ويعود خروجهما لسببين: الناحية الشخصيّة، وهي الأساس، وناحية التحديد القوميّ للأمة السوريّة.

الأهداف الشخصيّة للمذكورَين هي أمر أساسيّ لأنّه ينبثق من الحالة المرضيّة الفرديّة التي كانت السبب في سقوط كثيرين، وفي قعود آخرين، وفي تآمرِ من لا حرمةَ عنده، ولا ضابطَ حتّى في أبسط الأمور؛ وإذا كان الزعيم قد فضّل عدم التطرّق تفصيليًّا إلى هذه الناحية في المحاضرة الأولى من المحاضرات العشر، كون هذه المحاضرات تتخطّى هذه الأمور الشخصيّة إلى ما هو جوهريٌّ عقديًّا، فإنّه تناولها في مناسبات أخرى.

ففي التاسع من تموز 1947 صدر عن مكتب الزعيم بلاغٌ جاء فيه: “إنّ اعتزال الأمينين تابت وأياس والرفيق أسد الأشقر العمل الحزبيّ جاء نتيجة طبيعيّة لبعض الأوضاع التي أوجدها هؤلاء الرفقاء بأنفسهم.
“… ولمّا كانت تصرّفاتهم عمومًا أخذت تنمّ عن السعي للمصالح والاتجاهات الشخصيّة، والاهتمام بالأمور الفرديّة قبل القضايا العامّة – فقد أصبحوا في حالة من الاعتزال العمليّ لكافّة المسؤوليّات الحزبيّة…”.
وفي الثالث عشر من آب 1947 أصدر الزعيم مرسومًا بطرد نعمة ثابت ومأمون أياس، وقد جاء في مادّته الأولى:
“يُجرَّد السّيّدان نعمة ثابت ومأمون أياس من رتبة الأمانة التي أساءا استعمالها”.
وفي المادّة الثانيّة:
“يُطرد السيّدان المذكوران من الحزب القومي الاجتماعيّ”.
وقد حاول الاثنان تبرير تصرّفهما، كما تجاوز ثابت حدود اللياقة والأخلاق في عمليّة التبرير فكان ردّ الزعيم في مقالة عنوانها: “نعمة ثابت بطل الخيانة” نشرت في نشرة عمدة الإذاعة العدد الرابع في 15 آب 1948، ومنها قوله: “إنّ للخيانة قاعدةً لا تخطئ، خصوصًا متى كانت من النوع الراقي «المثقّف» الدَّمث. فهي تظلّ تراوغ وتتظاهر بالتفاني والصّدق والإخلاص و”تلعب على الحبلين” إلى أن تدركها الفضيحة فتنقلب دماثتها سفاهة، وثقافتها وقاحة، ورقيّها انحطاطًا!
ومتى صارت الخيانة سفيهة ووقحة ومنحطّة، أمست بحكم طلب التعويض أو البدل متبجّحة”.

ومن يدرس سيرة هذين الشخصين في مسيرتهما الحزبيّة يستنتج أنّ نعمة كان على اتفاق تام مع مأمون، رغم ما كان يظهره نعمة في العلن عن أنّ مسلكه غير سويّ.
الرفيق عبد المسيح في “أيام قوميّة الجزء الثاني صفحة 88 يقول: “كان أسد الأشقر قد شعر بالنقص الأخلاقيّ في مأمون، وجرّب أن يبعده عنه، ولكنّ نعمة، مع أنّه كان يوافق أسد على رأيه في مأمون، كان حالما يبتعد عن أسد أو عن غيره من المسؤولين، يكون لمأمون أتبع من ظلّه”. من هنا كان الأمر المتعلّق في الواحد يتعلّق حتمًا في الآخر، وكان نعمة في الواجهة. بالتكافل والتضامن كانا يعملان.

الأمر الآخر الذي شاء الزعيم أن يركّز عليه في هذه المحاضرة، هو “التحديد القوميّ للأمّة السوريّة”، أمر كاد يشوّه حقيقة القضيّة القوميّة الاجتماعيّة الواضحة الشاملة، البعيدة عن أيّ التباس؛ ذلك أنّ الواقع السوريّ بات “واقعًا لبنانيّا” مع المذكورَين ومن لفّ لفّهما من قلّة لم تعِ أهميّة الفكرة القوميّة الاجتماعيّة وصحّة جوهرها.
هو “الواقع اللبنانيّ” الذي راح نعمة ثابت يسوّقه مع آخرين، ومنهم مأمون أياس، وبتوجيه من سياسييّن من خارج الحزب واتفاق معهم، كرمى لعيون الأجنبي الإنكليزي خاصّة، الذي تظهر بصماته في ذلك. ولقد حاول أن يبرّر فعلته، علمًا أنّها كانت مكشوفة للزعيم. ولقد ظهر الانحراف جليًّا في اجتماع بعقلين 1945، بعد أن كان قد انطلق به في الحصول على الرخصة عام 1944، حين انتقل إلى القول بـ”الأمّة اللبنانيّة” مستعيرًا كلّ مقوّمات الأمّة السوريّة وجعلها محصورة في لبنان. والتزامًا منه بالمفروضات التي أمليت عليه، وليس لصالح الحزب طبعًا، أعطيَ رخصة للعمل غايتها: “العمل لاستقلال لبنان” بخروج فاضح على غاية الحزب المثبتة في كتاب المبادئ، والمعروفة من كلّ المهتمّين.

وكانت جريدة الزوبعة في العدد 85، تاريخ 10 آب 1945، قد نشرت خطاب نعمة ثابت حول رخصة الحزب في اجتماع عام لمنفِّذية بيروت بتاريخ 7 أيار 1944؛ وممّا جاء فيه في مقدِّمة دائرة الإنشاء: “ما هي قيمة الرخصة اللبنانيّة لعمل الحزب بحرّيّة في لبنان، وكيف يجب أن تُفهَم عند القوميين الاجتماعيين”؟ وفي بيان ثابت إجابة على ذلك: “…رأيت أن أغتنم فرصة هذا الاجتماع العام لكي أعيّن بالضبط قيمة الرخصة في عملنا الحزبيّ، فلا يبالَغ بأهميتها من قِبل الذين يتمسّكون بفكرة ضرورة العمل بموجبها، ولا يُقلَّل من أهميّة الرخصة من قِبل الذين لا يرون لها ضرورة”.

“…والآن عندما انتهى دور الحكومات العاصية، وأتت حكومة تتمتّع بثقة وتأييد شعبي اشترك الحزب القومي اشتراكًا فعليًّا بإيصالها إلى الحكم اعترفت هذه الحكومة للحزب القوميّ بحقّه في ممارسة الحقوق والواجبات المدنيّة التي بعدم وجودها لن يكون للاستقلال معنىً”. ويحاول ثابت من خلال كلّ ذلك أن يقنع القوميين بأهميّة الرخصة التي تنقله وأمثاله إلى حالة الرخاء والسهولة التي عملوا من أجلها سنوات، حتى ولو كان الأمر على حساب العقيدة والنظام والأخلاق. ولهذا كان الانجرار وراء ما يسمّى بـ”الواقع اللبنانيّ”، والتخلي عن الشكل الأساسيّ لرمز الزوبعة، وتغيير هتاف الحزب، وتغيير غاية الحزب السوري القومي الاجتماعي. ففي مهرجان “يوم لبنان” المقام في بعقلين بتاريخ 16 أيلول 1945 كان لنعمة ثابت رئيس المجلس الأعلى آنذاك، خطاب جاء فيه: “… يتحتّم علينا في الحزب القوميّ، بصفتنا حزبًا سياسيًّا… أن نقوم بقسطنا من واجب تعزيز واجبهم [اللبنانيين] نحو المدنيّة والرقيّ… فإذا نحن نحتفل بـ “يوم لبنان” فليس ذلك إلاّ لتحيّة رسالته ولتسجيل إيماننا بقدسيتها، ورغبّة منّا في جعل المجتمع اللبنانيّ بكامله يعي وعيًا تامًّا ما تنطوي عليه هذه الرسالة من الخطورة والأهمِّيّة … وفيما نحن نتقدّم لتعيين رسالة لبنان نرى [أنها]… مرتبطة بالواقع اللبنانيّ ونتيجة لهذا الواقع… فكلّ الأعمال التاريخيّة والظواهر النفسيّة والفكريّة التي انبثقت عن الحاجات اللبنانيّة الأصيلة تشكّل في نظرنا “الواقع اللبنانيّ”. وكلّ ما أنتجه الفكر اللبنانيّ المستقلّ بوحي العدل والحكمة والحقّ، وكلّ ما نبض له القلب اللبنانيّ المخلص بدافع حبّه المجرّد لجميع اللبنانيين والمصلحة اللبنانيّة العليا، يدخل ضمن مفهومنا لواقع اللبنانيّ”. ومن ثمّ ينتقل إلى تناول العامل الاقتصاديّ في تكييف الواقع اللبنانيّ، ثمّ الواقع السياسيّ.”…هذا هو “الواقع اللبنانيّ” المنبثق عن طيب عنصرنا وسير تاريخنا المستقلّ… هذا هو لبنان كما نحته المجتمع اللبنانيّ بساعديه القويين وبخياله الطاهر النقيّ”. وينهي خطابه بالتالي:” أيها الحفل الكريم،

لا يكتمل الاحتفال بيوم لبنان، بدون التوجّه نحو تلك الشخصيّة التي تمثّل روح لبنان، وأماني لبنان، إلى رمز الكرامة اللبنانيّة، رئيس جمهوريتنا المحبوب، الشيخ بشارة الخوري”.
في هذا المسلك الانحرافيّ أقدم المسؤولون الانحرافيّون على تغيير هتاف الحزب الذي بات على الشكل التالي:
يا أبناء الحياة لمن الحياة؟ – لنا
والخلود – لشعبنا
والبقاء – لحزبنا
يحيا حزبنا – يحيا (3) مرات؛ وفي الثالثة: يحيا (ثلاث مرّات).
في 4 آب 1945.
وفي 20 آب 1945، يبرّر نعمة ثابت تغيير الهتاف ببيان، نشر في نشرة عمدة الإذاعة، التي كان عميدها كريم عزقول وناموسها شوقي خيرالله، ننتقي منه بعض المعبِّر: “يشعر المركز بأنّ بعض القوميين لا يقدِّرون الظروف والمبرِّرات السياسيّة الهامّة التي حدت به إلى وضع هتافٍ جديد يحلّ محلّ الهتاف القديم. فيظهر أنّ سلطة التقليد والعادة قد أثّرت على قسمٍ من القوميين إلى حدّ أفقدهم مزيّة التمييز بين ما هو أساسيّ وعام وما هو شكليّ وجزئيّ… فإنّ نجاح الحزب وتأمين مصالحه العليا تتطلّب كثيرًا من المرونة السياسيّة والسرعة في فهم وتقدير المقتضيات السياسيّة من قِبل القوميين… يجب أن لا يقف أي عائق في طريق إيصال الحزب إلى السلطة… وكلّ من يُستعبَد للمظاهر الخارجيّة لا يمكن في نظر المركز، أن يصمد في الملمّات القوميّة السياسيّة الكبرى التي تنتظره”.

كما أقدموا على تغيير شكل الزوبعة، مسقطين رموزها، حتى باتت تبدو للرائي بأنها ألعوبة صبيانيّة لا بُعدَ لها ولا قيمة فنّية، ولا أثر عقديًّا لها. كلّ ذلك انسجامًا مع الخيوط التآمريّة التي حاكوها ضدّ الحزب والأمّة والزعيم.
وفي هذا السياق يشير الزعيم إلى أنّ الحزب قبِل “الواقع اللبنانيّ بحكم النظام فقط، في حين أنّ القوميين الاجتماعيين لم يقبلوا أيًّا من هذه الأفكار الانحرافيّة. بيد أنّ الزعيم لم يتجاهل حتى هذا الخروج العقديّ في الظاهر، لأنّه يشكّل مسألة من المسائل الخطيرة جدًّا. كما أنّه لم يكن ممكنًا لولا العوامل التالية:
– إهمال تاريخ الحزب.
– إغفال درس العقيدة.
– إغفال درس نظرة الحزب إلى الحياة والكون والفنّ.

واضحٌ إذًا أنّ الزعيم يعيد هذا الجنوح الانحرافيّ إلى إهمال الدرس، إن درس تاريخ الحزب، أو درس عقيدته، أو درس نظرته إلى الحياة والكون والفنّ؛ علمًا أن أيّ تجاهل للاهتمام بناحية من هذه النواحي لا بدّ وأن يترك تداعياتٍ سلبيّة، أبرزها الحالات الانحرافيّة.

انحراف فايز صايغ وغسّان تويني ويوسف الخال:
ينسحب على هؤلاء ما انسحب على نعمة ثابت ومأمون أياس فيما يتعلّق بالناحية الشخصيّة؛ بالإضافة إلى اشتراكات فكريّة تتطلّب النظر الجديّ العميق فيها، كما “في العوامل الفكريّة وسيرها وتحديدها، وتحديد الاتجاه الفكري الروحي القومي الاجتماعي”.
قضية فايز صايغ:
قبل تفصيل حالة فايز صايغ لا بدّ من إثبات صلاحيات العميد، كون فايز صايغ كان عميدًا للثقافة حين وقع في فخّ الانحراف. في المادّة السادسة من المرسوم الدستوري عدد 1: مؤسسة العمد نجد ما يلي: “صلاحيّة العميد تتناول وضع مشاريع عمدته الإداريّة والتنفيذيّة، لتأمين سياسة الزعيم العامّة، وعرضها على مجلس العمد للمناقشة، ثمّ على الزعيم للحصول على المصادقة واتخاذ جميع التدابير التي هي من صلاحيّة عمدته، لتنفيذ سياسة عمدته المقرَّرة والمصدّقة. والعميد مسؤول عن سياسة عمدته ومسؤوليته تجاه الزعيم رأسًا”.

فهل هذا ما التزم به عميد الثقافة فايز صايغ في العدد الأوّل من نشرة “عمدة الثقافة والفنون الجميلة” قبيل عودة الزعيم؟ هل اعتبار نفسه المسؤول النهائيّ عن النشرة، وهو الذي يشرف عليها، وإنّ النشرة تنطبق عليها “سياسة العميد”، بدلاً من سياسة الزعيم كما يبدو واضحًا في الدستور، وأنّ للعمدة رسالة خاصّة غير مندمجة في رسالة الحركة القوميّة الاجتماعيّة، إضافة إلى ما سمّاه “البيان الأساسيّ لعمدة الثقافة والفنون الجميلة” و “مبادئ أساسيّة في سياسة العمدة”، أين هذا من صلاحيات العميد المنصوص عنها في الدستور؟؟؟!!!

هذا الانفراد وهذا الشذوذ حدا بصايغ لمنع مجالس الحزب والزعيم نفسه من التدخّل في شؤون عمدته. وبالتالي ينحو نحو إنشاء دستورٍ جديدٍ وعقيدة جديدة. ومن باب وضع الإصبع على الجرح كشف الزعيم عن أنّ صايغ: 1- خرج على كل القواعد الدستوريّة. 2- وخرج على كلّ الأساس العقائدي الروحي للحركة القوميّة الاجتماعيّة.
وفي الثلاثين من تشرين الثاني 1947 وجّه الزعيم كتابًا إلى عميد الإذاعة والثقافة فايز صايغ. وممّا جاء فيه: “… إنّ اطلاعي، وأنا بعد في الأرجنتين،على بيانكم «الأساسيّ» لعمدة الثقافة منشورًا في العدد الأوّل من مجلّة عمدة الثقافة، ثمّ وقوفي عليه بصورة أكمل منذ نحو شهرين ونيّف، منشورًا في العدد الخامس من النشرة الحزبيّة الدوريّة التي كانت تصدر عن عمدة الإذاعة، ثمّ اطّلاعي مؤخَّرًا، منذ نحو عشرين يومًا تقريبًا، على نسخة من البيان المذكور كما قُدِّم في المجلس الأعلى، أظهر لي أنكم اعتمدتم قواعد للفكر والاتجاه غير قواعد النهضة القوميّة الاجتماعيّة، وأوّلتم غايتها ونظامها ومركز عمدة الثقافة فيها بما لا ينطبق على عقيدتها وغرض عمدة الثقافة المؤسّسة لها. وقد اطلعتم على بعض ملاحظاتي الأولى على بيانكم المذكور، التي أبديتها للرفيق غسّان تويني (مراجعة رسالة الزعيم إلى غسّان تويني في 9 تموز 1946- الرسالة الخامسة)، ولخّصتها في الكتاب الذي أرسلته من الأرجنتين إلى المطرود نعمة ثابت وهو بعد رئيس للمجلس الأعلى غير الدستوري الذي تشكّل في غيابي. (راجع رسالة الزعيم إلى نعمة ثابت).
“…إنّ الأبحاث المذكورة واتجاه نشاطكم الأدبي والإذاعي تحمل، كلّها، نظرة برديايف وكريقارد إلى الإنسان والمسائل الإنسانيّة”. ونظرتهما “الشخصيّة الفرديّة، التي ترى الشخصيّة الفرديّة الجوهر والغاية” و”إنّ شخصيّة الإنسان (الفرد) ونموّها هي غاية المجتمع الرئيسيّة”.

“ويختم الزعيم كتابه إلى صايغ بقوله: “وإنّي أعتقد أنّ مصيركم في الحركة القوميّة الاجتماعيّة يجب أن يكون غير مصير الاهتمام بقضيّة الشخصيّة الفرديّة التي تبقى شخصيّة بحت مهما عمّمت، ونحن في مجال قضيّة المجتمع وليس قضيّة الفرد أو الشخصيّة الفرديّة”.

وفي النشرة الرسميّة للحركة السوريّة القوميّة الاجتماعيّة المجلّد الأوّل العدد الثاني تاريخ 1 كانون الأوّل 1947 ثبت يؤكّد أنّ الزعيم” سلّم إلى الرفيق فايز صايغ كتابه شخصيًّا في مكتبه بحضور الناموسين في مكتب الزعيم هشام شرابي وفؤاد نجّار. فاعترف السيّد صايغ بأنّه كان يعلم أنّه يبثّ أفكارًا مخالفة للاتجاه العقائدي القوميّ الاجتماعي. ولكنه كان يظنّ أنّ المبادئ لا تعيّن عقيدة واضحة في فلسفة الحياة، وكان يرفض شرح المبادئ وتعاليم الزعيم الأخرى كأسس عقائديّة للحركة القوميّة الاجتماعيّة، فطلب منه الزعيم إعادة النظر في هذه الأفكار غير المضبوطة.

“… ولمّا لم يقدِّم الرفيق صايغ البيان عن رحلته إلى إفريقية الغربيّة، ولم يعد إلى الاتصال النظاميّ، ونظرًا لحركاته التمردّيّة ودعوته إلى التفسّخ العقائدي والروحيّ وإلى التمرّد، أصدر الزعيم مرسومًا بتاريخ 7 ديسمبر الحاضر [1947] بإقالته من عمدة الإذاعة، وبطرده من الحزب القومي الاجتماعيّ”.

أمّا بالنسبة لغسّان تويني، فإنّ المراسلات التي تمّت بين الزعيم وغسّان تويني كشفت عن انسحاب حالة فايز صايغ على تويني، “وبعد أن وصل غسّان تويني إلى أميركانية مكلَّفًا بإعطاء الزعيم تقريرًا عن حالة الحزب وأرسل إليّ تقريره شعرت أنّ الانحراف الواقع فيه عميد الثقافة فايز صايغ واقع فيه غسان تويني أيضًا”. إذ إنّه لم يعترف بخطأه في الأمور التي كان “متضامنًا فيها مع فايز صايغ، إذ هو أيضًا تأثّر بتعليم المذهب الشخصيّ الفرديّ”. ففي رسالة إلى نعمة ثابت رئيس المجلس الأعلى في الخامس من أيلول 1946، يكشف سعاده عن القاسم المشترك الانحرافيّ بين صايغ وتويني، فيقول نقلاً عن تويني: “… وهكذا، فإنّي أسعى… لأن أقارب مثال الطالب القومي الذي، وقد نذر نفسه لخدمة قضيّة بلاده بوعيٍ وإخلاص، وخدمة الإنسانيّة من خلالها… على أن لا يعني هذا تعصّبًا على قيم الحقّ والخير والجمال أينما وجدت لأسباب تخرج عن نطاقها، ولا قياس الحقّ والخير والجمال بغير قيمتها المجرّدة. فأخبرته -يقول الزعيم- أنّي أجد تشابهًا كثيرًا، إذا لم أقل متابعة تامّة، بين ما أورده الرفيق فايز صايغ… وعبارته التحفّظية أو الاحتياطيّة في ختام كتابه المشار إليه”.

وفي إشارةٍ إلى التناغم الفرديّ بين تويني وصايغ، يحاول تويني أن يبرِّر انحراف الأوَّل بقوله في رسالة للزعيم بتاريخ 23 تموز 1946: “إذا ما بدا تطرّف من قبَل العميد صايغ في التشديد على صفة أو سياسة خاصّة للعمدة، فذلك يعود إلى وضع العمدة الخاص واختلافها النوعي عن سائر العمدات، وإلى كونها لم تشغل سابقًا بل كانت أعمالها إذ ذاك تؤسَّس تأسيسًا يكاد يكون كليًّا. كما أنه قد يكون للأحوال الإداريّة التي كان يوجد فيها الحزب عند وضع البيان، والتي قد يكون العميد وغيره اعتبرها غير مرضية، تأثير في هذا التطرّف”.

وفي مقارنة بين ما اعترف به صايغ وما برّره تويني إشارة إلى ضعف التبرير من جهة، واتفاق الاثنين على الجنوح الانحرافي من جهة أخرى. خاصةً وأنّ إصرار تويني على مفهوم القيم ينطبق على ما حاول صايغ أن ينشره بين الرفقاء.
وكانت نتيجة تويني الحزبيّة مشابهة لنتيجة صايغ مع اختلاف السبب؛ فللتوضيح نؤكّد أنّ طرد غسان تويني كان لأسبابٍ مثلبيّة كما هو واردٌ في مرسوم الطرد المنشور في النشرة الرسميّة، المجلّد الأوّل، العدد الثالث، 15 كانون الأوّل 1947، وأوّل كانون الثاني 1948،:
مرسوم بطرد غسان تويني لخيانة مثالبيّة هذا نص موادّه:
إنّ زعيم الحزب القومي الاجتماعي بناء على الموادّ الأولى والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة من الدستور، وبناء على … يرسم ما يلي:
مادّة أولى: يطرد المدعوّ غسان تويني من الحزب القومي الاجتماعي.
مادّة ثانية: يعمل بهذا المرسوم من تاريخ صدوره.
مادّة ثالثة: يبلّغ هذا المرسوم لمن يلزم وينشر ويحفظ.
صدر عن مكتب الزعيم في 21 تشرين الثاني 1947
الإمضاء: الزعيم
كما صدر مرسوم بطرد يوسف الخال ويوسف نويهض مؤرّخ في 9 كانون الأوّل 1947، وهما، مع تويني يشكّلون مثلّثًا انحرافيًّا يقول بـ “حرّية الفكر”؛ فهؤلاء كانوا يخشون على مصير الأفكار التي أسّست للبلبلة الفكريّة وأشاعتها حين ينتصر الفكر القوميّ الاجتماعيّ.
أليس غريبًا أن ينظر مؤمنٌ بالعقيدة القوميّة الاجتماعيّة إلى الوراء، فيقلق على مصير الأفكار الرجعيّة التي إنما أُنشئت النهضة لإسقاطها والخروج من عفنها إلى نور الحقيقة المحيي.

أو ليس منطقيًا أن يبحث القوميّ عن الوسائل والطرق التي تهدم الحواجز وتقتلع العراقيل وتذلِّل الصعوبات لتحقيق القضيّة التي تعني كل وجوده؟ أو ليس انحرافًا عن الواقع والمنطق أن نهتمّ بالفكر المبلبِل الذي أورثنا التفسّخ والضياع والغوغاء، ونسأل عن مصيره، ولا يكون مرمى اهتمامنا كيفيّة انتصار فكرنا المنقذ؟
إنّ طرح مصير الأفكار الأخرى حين تنتصر العقيدة لدليلٌ على أنّ من يطرحها يشكّ في ذاته وفي إيمانه وفي صحة عقيدته؛ وبالتالي هو في وضع لا يسمح له بالعمل الصادق من أجل انتصار المبادئ التي أقسم على تحقيقها.

من يقلق على مصير الأفكار التي جنت على الشعب المآسي والمصائب هو واحدٌ من اثنين: إمّا أنّه مراوغٌ تظاهر بالتخلّي عن الأفكار الجاهليّة المهلهِلة، وبقي في مستنقعها فعلاً، وإمّا أنّه لم يرقَ إلى مستوى الفهم الصحيح، وإدراك شموليّة وعمق وحقيقة العقيدة التي آمن بها؛ ما يعني أنّه يعتقد أنّ الأفكار والمبادئ التي اعتنقها لا تشكّل خشبة الخلاص الحقيقيّة بالنسبة إليه. وفي كلا الحالين لا يمكن للمتشكِّك أن يكون عنصر بناء أو إمكانيّة بشريّة فاعلة في حركة تقوم على الحقيقة والوضوح والثقة واليقين والإيمان والعمل الصادق الهادف. إنه يفتقر إلى مقوِّمات الرابطة الروحيّة العميقة التي تجعل جماعة ما في وحدة رؤية ووحدة هدفٍ ووحدة في النظر إلى القيم المنبثقة من جوهر نفسيتها!
إذا لم نؤمن بأنّ قضيتنا فيها كلّ الخير وكلّ الحقّ وكلّ الجمال وكلّ الحقيقة وكلّ العدل وكلّ القيم العُلى لا يمكن، ولا بوجه من الوجوه، أن نتلمّس طريق الخلاص أو أن نخرج من نفق الظلام الديجوريّ، أو أن نضيف لبنة واحدة إلى البناء النهضويّ المرجوّ.

وحين نؤمن بأن قضيتنا مؤسَّسة على الخير والحق والجمال والعدل والحقيقة، ينتفي كليًّا التفكير بأنّ هنالك قيمًا عليا خارج عقيدتنا، وينتفي القول بحقٍ مطلق وخير مطلق وجمال مطلق إلاّ في واقع مجتمعنا؛ فالمطلق هو في صميم المجتمع وليس خارجه. فلكلّ مجتمعٍ قيمه ومثله العليا.
“الحقّ والخير والحقيقة والجمال، من حيث هي قيم مطلقة، هي قيم للمجتمع. ولمّا لم تكن هذه القيم ماديّة، لم يمكن أن يكون لها تحديد واحد أو مفهوم واحد في العالم. فلا إجماع على مدلول هذه القيم ومفهومها بصورة كليّة مطلقة في العالم الإنسانيّ إلاّ حيث ينتفي تنوّع النظر أو تنوّع المصالح وتصادمها بين المجتمعات الإنسانيّة كما بين فئات المجتمع الواحد”. (الحق والحريّة- بقلم الزعيم).

لم يرُق هذا التحديد وهذا التوضيح وهذا الإيمان المرتكز إلى العلم، بعض الذين لم يدخل الإيمان إلى قلوبهم، لأنهم فاقدو الثقة بشعبهم، لأنهم فاقدو الثقة بأنفسهم؛ ففي تعابير تويني وصايغ الانحرافيّة بتنا شعبًا لا يعرف القيم، وقضيته مجرّدة عن قيم الحق والخير والجمال. وبالتالي لسنا أصحاب نظرة جديدة إلى الحياة والكون والفنّ، نظرة حقيقيّة شاملة، منبثقة من واقع حياتنا السوريّة، وهي القاعدة المكينة التي تقوم عليها مبادؤنا. ومن كان هذا شأنه يستحيل أن يعتليَ صهوة الصراع الحرّ لإعدام تنين المفاسد الذي ينخر في عظام فاقدي المناعة القوميّة.

وهنا لا بدّ من التعريج على رسالته المؤرّخة في 9 تموز إلى غسّان تويني، حيث يشرح الزعيم حالة فايز صايغ بهدف توجيه تويني إلى القواعد التي يجب أن يلتزم بها، والتي خالفها صايغ، علّ ذلك يكون درسًا لتويني يبعده عن أفخاخ النظرات الفرديّة. في الرسالة المذكورة نقتطف ما يتعلّق بحالة فايز صايغ: “يقول حضرة العميد [فايز صايغ] بقي أن نشير إلى أنّ هذه النشرة … تنطبق عليها سياسة العميد الأساسيّة… وبصورة خاصّة فيما يتعلّق بالمفكّرين خارج الحزب… فالعمدة لن تسمح باعتبارات خارجة عن نطاق قيم الحق والخير والجمال، أن تتدخّل في شؤون إنتاج ثقافي يتوخّى التعبير عن الحقّ والخير والجمال. وستترك هذه القيم تفرض نفسها، وتوجيهها بحريّة”.

هذا دليل دامغٌ على شطط فايز صايغ في دائرة خارج العقيدة السوريّة القوميّة الاجتماعيّة؛ إنّها الدائرة الفرديّة التي تملّكت في نفس صايغ وتويني والآخرين ورمتهم في هوّة الانحراف. فالانحراف لم يكن عابرًا بل كان مقصودًا ومخطّطًا له، وهنا تكمن خطورته. أكان ذلك بعامل جهل النظرة الجديدة والعقيدة الجديدة، أو تجاهلها؛ علمًا أنّ الجهل يسقط بفعل العلم والوعي أمّا التجاهل فغايته تخريبيّة، وربما تآمريّة. ولكي تتضح النظرة الجديدة إلى الحياة والكون والفنّ يجدر بنا أن نعود، وأن نعيد القارئ إلى نظرة سعادة إلى الإنسان التي تشكّل حجر الزاوية في التوجه القومي الاجتماعي، والممارسة القوميّة الصحيحة.

إنّ إنسان سعادة هو المجتمع – الإنسان الحقيقيّ، وليس الفرد. فالمجتمع هو الحقيقة الاجتماعيّة الإنسانيّة الكبرى، هو المتّحد الأتمّ، هو “الوجود الإنسانيّ الكامل والحقيقة الإنسانيّة الكليّة”، فيما الفرد بـ”حدّ ذاته، وضمن ذلك الحدّ، مجرّد إمكانيّة إنسانيّة”.

المجتمع منزّه من أي سوءة، هو الصفاء والنقاء والكمال والسموّ والعظمة وكلّ ما يتّسم بالجوهر الإنسانيّ المثاليّ. وفي نفس كلّ منّا، في نفس كلّ فردٍ من أفراد المجتمع، من هذا الصفاء والنقاء والكمال والسموّ والعظمة، ولكنّ الأفراد قد يفتقرون إلى المناعة فتصيبهم السوءات، تلك البعيدة عن جوهر حقيقتهم، لكنها لا يمكن أن تصيب المجتمع. يبقى على إمكانيات المجتمع – الأفراد أن يتقوّوا بالمعرفة ويرسّخوا قيم الحياة في ذواتهم ويقدّموا للمجتمع ما وهبهم، لكي يبقى المسار الحياتيّ قويمًا، متّجهًا اتّجاهًا طبيعيًّا تصاعديًّا. فالأفراد، بطبيعتهم، خيّرون، يتمتّعون بكلّ مقوّمات الجودة؛ ولو كانوا، بطبيعتهم أشرارًا، لما أمكن إيجاد قواعد تغيّر هذا الطبع.

ولزيادة الإيضاح في حقيقة المجتمع، ودور الأفراد فيه، مهما كان عددهم، نورد ما قاله سعادة: “ليس المجتمع مجرّد مجموع عدديّ من الناس، إنّ المجتمع غير المجموع، هو وحدة الحياة على بيئة طبيعيّة له خصائصه المادّيّة والمعنويّة، التي يكتسبها عبر الزمن من خلال التفاعل مع الأرض وعليها. وفي هذا الاستمرار الأفراد يأتون ويذهبون، ويبقى المجتمع.
و”الاجتماع للإنسان حتميّ لوجوده، ضروريّ لبقائه واستمراره”.

وانطلاقًا من هذه الحقيقة، لا بدّ من النظرة إلى كلّ شؤون الحياة من زاويتها الشاملة، وحين تتعدّد الزوايا، تتفاوت أو تختلف وجهات النظر. فالناظر من زاوية النظرة الفرديّة، تتعارض رؤيته بالنسبة للرائي بشموليّة الإنسان المجتمع؛ فلا غرابةَ بعد ذلك أن ينظر كلّ من صايغ وتويني والخال وسواهم من المنحرفين، إلى القيم نظرة لا تتوافق مع الحقيقة الكبرى التي جاء بها سعادة. فالقيم مع سعادة، لم تعد لصيقة الأفراد، كما يدّعي الأنانيّون، حسيرو النظر، بل غدت اجتماعيّة، إنسانيّة، متّحديّة، مقياسها الإنسان – المجتمع؛ فالحقيقة والخير والحقّ والجمال والعدالة قيمٌ إنسانيّة نفسيّة مجتمعيّة، وليست فرديّة أو مادّيّة، فهي لا تقاس ولا توزن، ولا تحدّ بمكان أو زمان معيّن. هي منبثقة من المجتمع وتمتدّ فيه إلى اللاّمحدود، فهو مدارها، وهي مطلقة فيه، ونسبيّتها تكون فيما بين المجتمعات. ويبقى المجتمع هو المقياس الأوّل والأخير لها: “… والقيم الإنسانيّة العليا لا يمكن أن يكون لها وجود وفعل إلاّ في المجتمع، فمتّجه القيم كلّها هو المجتمع – هو مصدرها وهو غايتها”.

وفي هذا الإطار الحقيقيّ: “إذا غلط امرؤ في استنتاج أـو تأويل أو في حسٍّ ما، فيصلح غلطه باستنتاج امرئٍ آخر أو تأويله أو حسّه الصحيح”. هذه المقولة الثابتة لا تنسحب على النظرات الجزئية وفي مقدَّمها النظرة الفرديّة. مثل هذا في النظرات الجزئية، يترك تداعيات خطرة كونه يفسح في المجال أمام التناقضات والاصطراعات والنزاعات التي لا تعرف نهاية. وما نشهده في المجتمعات التي ما زالت تنوء تحت أحمال الفرديّة الماحقة إلاّ خير دليل على ذلك.
إشارة إلى أنّ الإيمان بأنفسنا، بأنّ فيها كلّ الخير وكلّ الحقّ وكلّ الجمال، ناتج ثقةٍ تشكّل الرافعة الحقيقيّة لتجويد حياتنا، الثقة بقدرتنا وإدراكنا وحقيقتنا: “يجب أن يكون لنا الثقة بأنّ لنا المقدرة الاجتماعيّة العليا لكلّ مجتمع مدرك، لندرك ما هو الحقّ والخير والجمال”؛ وما ليس حقًا لنا وخيرًا لنا وجمالاً لنا، وما لا نراه كذلك، في عين معرفة حقيقة ذاتنا الاجتماعيّة، لن يكون حقًا وخيرًا وجمالاً. الشكّ بهذه الأسس لن يسمح لنا بأيّ عبورٍ من وضعٍ مهترئٍ، إلى واقعٍ قيميٍّ.

وبديهيّ أن تكون هذه الثقة لبّ حركتنا، لأنّ حركتنا هي حركة” صحيحة وجدت الحقيقة والحقّ والخير والجمال، واشتملت عليها تعاليمها”؛ وهذه الحركة الصحيحة صادرة عن نفسيّة خيّرة، معطاءة، جميلة، مدركة، واعية، تمتلك القدرة على التمييز بين ما حقّ وما هو باطل، تتمسّك بالحقّ وترمي الباطل في مزابل التاريخ؛ وتشدّ الخناق على عنقه كي لا تعود إليه الحياة مرّة أخرى.
نهاجم الباطل بتعاليمنا القوميّة الجديدة، المعبّرة عن سموّ وعظمة نفسيتنا؛ نهاجمه بكلّ أصوله وتفرّعاته؛ نهاجم المفاسد والفوضى التي أرخت على الشعب بظلالها، وغلّت يديه، وكبّلت طاقاته، وأبقته في وضعٍ مزرٍ لا يحسد عليه.
فهل نُلام على شنّ هذه الحرب؟؟!!
إنّ من يلومنا هو ربيب الباطل، وحاضن المساوئ، ونافخٌ في هشيم المفاسد؛ إن لومه فخرٌ لنا. أو ليست الحرب على المفاسد صفة الأحرار الشرفاء الحريصين على مصلحة أمتهم؟؟!!

” لا بأس أن نكون طغاة على المفاسد” أينما وجدت، وفي أي زمان كانت. إنّ القضية الحقّ – قضيتنا، لا تحتمل المراوحة، ولا أنصاف الحلول، ولا الاستكانة، ولا التهاون، ولا التلهّي بأمور خادعةٍ نتوهّم أنها تخدم القضيّة، أو نوهم الآخرين بأنها كذلك.
إنّ قضيتنا واضحة كالشمس يكفي أن نحملها في صدورنا وعقولنا وفي كلّ مفصلٍ من مفاصل حياتنا، وفي كلّ خطوة نخطوها، وأن تكون في أيدينا كالسيف القاطع للشرّ نحمي به وجودنا. ومن لا يرقَ إلى هذا المستوى يبقَ في دوّامة الشكّ والتخاذل والتهاون، ولا يكتفي بانحطاطه، بل يعمل على التعطيل والعرقلة والتخريب.
إنّ مثل هذه العقليات، هي التي تركت وطننا وشعبنا في متاهات لا طائل تحتها، وفي حالة مزرية تتطلّ من “البطولة المؤمنة” التي جعلها الزعيم محور الرسالة الثانية التي أرسلها من الأرجنتين التي امتنع الانحرافيّون المتآمرون على الحزب من نشرها؛ وفي العشرين من حزيران 1947 نشرت في نشرة عمدة الإذاعة بأمر من الزعيم.
في هذه الرسالة إضاءة على بعض المفاصل التي أراد سعادة أن يركّز عليها لكي تشكّل علامات طريق للمسؤولين آنذاك يستنيرون بها في عملهم الحزبيّ، ولكي يعي القوميّون الاجتماعيّون حقيقة الموقف القوميّ الذي حاول الانحرافيّون تشويهه.

في الأزمنة الصعبة، وحالة الأمّة آنذاك، هي من صميم الأزمنة الصعبة، تتطلّب نفسيّة منقذة؛ والإنقاذ في زمن النهضة القوميّة الاجتماعيّة هو الالتزام فكرًا وممارسةً بمضامين هذه النهضة؛ علمًا أنّ الصعاب والمحن قد لا تنجو منها الأمم. فإذا كانت أممًا ضعيفة مستكينة خائبة ربّما يقضى عليها، في حين أنّ الأمم الحيّة تنتفض من تحت الأنقاض لتعيد تسطير صفحات جديدة من تاريخها المجيد. لكنّ الانتفاضة تلك تتطلّب بطولة وإيمانًا: بطولة مؤيَّدة بصحّة العقيدة. وأيُّ بطولة أخرى تبقى اسمًا بدون مسمّى. فالبطولة الحقّة، التي لا تعرف التخاذل والتهاون والوجل والتردّد هي البطولة القوميّة الاجتماعيّة، هي البطولة المرتكزة على العقيدة القوميّة الاجتماعيّة المنبثقة من نفسيتنا السوريّة والمعبّرة عنها، هي بطولة من واقع شعبنا السوري ولمصلحة هذا الشعب. هي القائمة على الإقدام الواعي والتحفّز الهادف، منطلقها الذات القوميّة ووجهتها المصلحة القوميّة. وأي أمّة تتخلّى عن حقيقة هذه البطولة في مجرى حياتها، وفي اعتمادها لتقرير مصيرها، يمسي مصيرها في مهبّ الريح، تقرّره” الحوادث الجارية والإرادات الغريبة”، وتصبح عرضة لكل أنواع المفاجأات، وتفقد قدرة السيطرة على مسار الحوادث، ومعالجة أسبابها ونتائجها؛ وإذا تسنّى لها أن تعالج ففي وقت يطول، وبعد جهود مضاعفة أو أكثر.

وفي إشارة إلى المسلك السياسيّ الذي كان يسلكه نعمة ثابت وأعوانه، يشدّد الزعيم على الالتزام بطريق البطولة وعدم الركون إلى المساومات الخدّاعة، فهي قد تغري أحيانًا ولكنها لا تنقذ، ولا تساعد على الإنقاذ.
وهنا يجب ألاّ نخلط بين المساومات والمرونة السياسيّة، فتلك تجرّ إلى منزلقاتٍ خطيرة، وهذه، إن أُحسن استخدامها، تعبّد الطريق أمام جذب كثيرين نحو الحزب. وبالفعل، فإنّ المرونة السياسيّة الأصليّة التي اعتمدت بطريقة عقلانيّة، ناهيك بـ”دفلماسيّة مدرسته السياسيّة الدقيقة الفكر”، أكسبت الحزب أنصارًا كثيرين، وقرّبت إليه جماعاتٍ كانت بعيدة عنه، أو كانت تناصبه الخصام.

ولكن هل هؤلاء الأنصار وهذه الجماعات هم الذين يؤمّنون القوّة الحقيقيّة للحزب؟
هل القوّة الحقيقية هي في المؤتلفة قلوبهم، أو في المتقرِّبين من الحزب في طور نموِّه أو في محطّة فعله المؤثِّر والناظم والضابط؟
على أهميّة هؤلاء جميعًا، فإنّ سعادة يشدِّد على أنّ قوَّة الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ الحقيقيّة هي في الحزب نفسه، هي في بطولة القوميين المؤيَّدة بصحّة العقيدة،، هي في البطولة المثبتة في تاريخ الحزب وفي “عناصر رئيسيّة: صحّة العقيدة، وشدّة الإيمان، وصلابة الإرادة، ومضاء العزيمة”.
هذه العناصر الأربعة متلازمة ومتكاملة؛ إذا فُقد عنصر منها اختلّ العملُ الحزبيّ، وتعرّض الزخم للاهتزاز، وأدار المناصرون ظهورهم للعاملين، وتشتّت الذين بنوا جسر تقارب مع الحزب.

إنّ العناصر الأربعة وحدة مكينة يفترض أن نحافظ عليها؛ فيقينيّة العقيدة لا تسمح أن يتسرّب الشكّ إلى النفوس، والشكّ مرضٌ قاتل؛ والإيمان العقلانيّ الراسخ يحصّن القوميّ الاجتماعيّ ضدّ هذا المرض، ويؤمّن المناعة الضروريّة لصدّه، وصدّ أي مثلبةٍ متربّصة؛ ولكي لا يقع أحدنا في المحظور نتيجة ضعفٍ طارئٍ، أو موجةٍ عارمة زاحفة، أو إغراء مثير، لا بدّ من إرادة فولاذيّة لا تخضعُ، ولا يُلوى ذراعها، ولا تحني هامتها؛ إرادةٌ تمنع الاستسلام والتراجع والوهن والتهاون. في هذه الوحدة من العناصر المتكاملة نحافظ على مركزيّة الغاية التي أقسم القوميّون الاجتماعيون على تحقيقها.

وبدهيٌ القول أنّ اهتمام القوميين يجب أن ينصبّ على العقيدة وانتصارها في صميم الشعب؛ فالمهمّة الأساسيّة الطبيعيّة الأولى لأتباع كلّ عقيدة عظيمة هي أن تنتصر حقيقتها وتتحقّق غايتها. والإخفاق في هذه المهمّة يعرّض العقيدة للزوال، ويتبدّد الأتباع.
المطلوب إلى القوميين أن يحافظوا على حقيقة مهمتهم الأساسيّة هذه، وألاّ يؤخَذوا بأيّ نوع من أنواع المغريات الأخرى التي قد تبدو للوهلة الأولى أنّها بنّاءة، لكنّ الطريق الطويلة تكشف زيفها، لكن بعد فوات الأوان. المطلوب ألاّ نؤخذ بالظاهر، لأنّ حقيقة الأمور هي في العمق، ونحن أصحاب الغوص إلى الأعماق، لأننا أبناء الحقيقة، والحقيقة لا تكتفي بالظاهر بل مرتكزها ومدارها الجوهر؛ السطحيّ الظاهر عرضة للتبدّل أمّا الباطن الجوهريّ فثابت ودائم؛ والمطلوب كذلك ألاّ ندع العقيدة، ونهتمّ بـ”السياسة” مهما زيّنها لنا البعض بأبهى وأزهى الألوان. للسياسة دورها وشأنها، هي فنّ يخدم غاية، هي فنّ تأمين المصالح القومية؛ وفيما عدا ذلك يستخدمها أصحاب المنافع الخاصّة والفئويّة لأغراض لا تمتّ إلى الحياة الناهضة بصلة. فالأحرى بنا ألاّ ننجرّ إلى مثل هذه السياسات في مستنقعاتها النتنة، وألا ننصرف إلى العمل السياسيّ، وإن في مفهومه الحقيقيّ، لكي لا نقع في دائرة خلط السياسة بالعقيدة؛

إنّ انصراف قلوب القوميين وعقولهم إلى”السياسة والدفلماسيّة وأغراضهما” يؤدّي إلى عواقب وخيمة. كما قد يؤدّي إلى اختلاطها بالعقيدة والإيمان والعناصر الحيويّة الأساسيّة، فيلتبس علينا الأمر، ونضلّ سواء السبيل.
لندع الشأن السياسيّ بعهدة الإدارة الحزبيّة العليا التي يعود إليها هذا الاختصاص، وهي المطلوب إليها أن تدير هذا الشأن بكل ما تمتلك من قدرة وطاقة، خدمةً للغاية القوميّة العليا.
إنّ المهمّة التي أوكلها إلينا الزعيم مهمّة خطيرة، لأنها تتناول حياة أمّة بأسرها، حياة الشعب السوري ونهوضه في تعاقب أجياله؛ فلا وقت نضيّعه، بل الوقت، كلّ الوقت للعمل الجادّ البنّاء الذي نذرنا النفس من أجله، وأقسمنا على أن يكون مدار حياتنا لتنتصر الأمّة على معوقات مسيرة حياتها. وبالتالي فإنّ وعي خطورة مهمتنا القوميّة تحتّم علينا المداومة والمثابرة والدأب على إعلان الحقيقة القوميّة، حقيقة عقيدتنا، حقيقة وجودنا وإيماننا وعملنا وجهادنا، وتحتّم علينا الحرب المنظّمة من أجل تحقيقها وإقامة نظام جديد؛ كوننا مسؤولين عن هذه الحقيقة، عن هذه القضيّة المقدّسة لنا، فقط عن هذه القضيّة، لأنها تعبّر عن كلّ القيم الاجتماعيّة العليا التي يحتاجها المجتمع السوريّ كي ينهض وتكون له حياة جديدة. وفي هذا السياق، بدهيّ أن لا نتحمّل مسؤوليّة العقائد الأخرى التي بلبلت مجتمعنا وعطّلت حقيقتنا وإدراكنا لها، وما زالت. المسؤوليّة تقع على الذين اعتنقوها وعملوا على نشرها، وخدعوا الناس بها؛ شيوعيّة كانت أو فرديّة أو سواهما. عقائد سبّبت وما زالت تسبّب الويلات والنكبات والأزمات لأنها قائمة على قاعدة خاطئة، وعلى مفاهيم لا تصيب كبد الحقيقة، بل تتلهّى بالقشور.
وحدها، ووحدها فقط، تعبّر عن واقع حياتنا، وتؤمّن النهضة الحقيقيّة لشعبنا، وتحقّق رؤاه وتطلّعاته؛ فالعمل ببطولة من أجل ذلك واجب كلِّ قوميٍ اجتماعيّ.
فـ:”مارسوا البطولة ولا تخافوا الحرب بل خافوا الفشل”.

في الأوّل من أيلول 2014

الرفيق نايف معتوق

عن admin

شاهد أيضاً

أمّي

كلمة بدئية أزلية كما الحقيقة
أبدية كما النور
تجتاح الوجدان وتلثم الجراح
تحمل في طيّاتها قلب الأرض ونبض الجذور،
كلمةٌ كلٌّ يقولها
أو يناجيها
أو يتوسّلها
أو يستغفرها...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *